محمد بن جرير الطبري

80

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الكاذبة في أنهما قد خانا في كذا وكذا من مال ميتنا ، وكذا في أيمانهما التي حلفا بها . وَمَا اعْتَدَيْنا يقول : وما تجاوزنا الحق في أيماننا . وقد بينا أن معنى الاعتداء : المجاوزة في الشيء حده . إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ يقول : إنا إن كنا اعتدينا في أيماننا ، فحلفنا مبطلين فيها كاذبين ، لَمِنَ الظَّالِمِينَ يقول : لممن عدا ومن يأخذ ما ليس له أخذه ، ويقتطع بأيمانه الفاجرة أموال الناس . القول في تأويل قوله تعالى : ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ الشهادة على الوصية يعني تعالى ذكره بقوله : ذلِكَ هذا الذي قلت لكم في أمر الأوصياء إذا ارتبتم في أمرهم واتهمتموهم بخيانة لمال من أوصى إليهم من حبسهم بعد الصلاة ، واستحلافكم إياهم على ما ادعى قبلهم أولياء الميت ؛ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها يقول : هذا الفعل إذا فعلتم بهم أقرب لهم أن يصدقوا في أيمانهم ، ولا يكتموا ، ويقروا بالحق ، ولا يخونوا . أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ يقول أو يخافوا هؤلاء الأوصياء إن عثر عليهم أنهم استحقوا إثما في أيمانهم بالله ، أن ترد أيمانهم على أولياء الميت بعد أيمانهم التي عثر عليها أنها كذب ، فيستحقوا بها ما ادعوا قبلهم من حقوقهم ، فيصدقوا حينئذ في أيمانهم وشهادتهم مخافة الفضيحة على أنفسهم وحذرا أن يستحق عليهم ما خانوا فيه أولياء الميت وورثته . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ؛ وقد تقدمت الرواية بذلك عن بعضهم ، نحن ذاكرو الرواية في ذلك عن بعض من بقي منهم . حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً يقول : إن اطلع على أن الكافرين كذبا ، فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما الشهادة على الوصية يقول : من الأولياء ، فحلفا بالله أن شهادة الكافرين باطلة وأنا لم نعتد ، فترد شهادة الكافرين وتجوز شهادة الأولياء . يقول تعالى ذكره : ذلك أدنى أن يأتي الكافرون بالشهادة على وجهها ، أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم . وليس على شهود المسلمين أقسام ، وإنما الأقسام إذا كانوا كافرين . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ الآية ، يقول : ذلك أحرى أن يصدقوا في شهادتهم ، وأن يخافوا العقاب الشهادة على الوصية . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ الشهادة على الوصية قال : فتبطل أيمانهم ، وتؤخذ أيمان هؤلاء . وقال آخرون : معنى ذلك : تحبسونهما من بعد الصلاة ، ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ، وعلى أنهما استحقا إثما ، فآخران يقومان مقامهما ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : يوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما ، فيحلفان بالله لا نشتري به ثمنا قليلا ولو كان ذا قربى ، ولا نكتم شهادة الله ، إنا إذن لمن الآثمين ، إن صاحبكم لبهذا أوصى ، وإن هذه لتركته الشهادة على الوصية فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا : إنكما إن كنتما كتمتما أو خنتما فضحتكما في قومكما ولم أجز لكما شهادة وعاقبتكما . فإن قال لهما ذلك ، فإن ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها . القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ . . . الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ يقول تعالى ذكره : وخافوا الله أيها الناس ، وراقبوه في أيمانكم أن تحلفوا بها كاذبة وأن تذهبوا بها مال من يحرم عليكم ماله ، وأن تخونوا من ائتمنكم . وَاسْمَعُوا يقول : اسمعوا ما يقال لكم وما توعظون به ، فاعملوا به وانتهوا إليه . وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ يقول : والله لا يوفق من فسق عن أمر ربه فخالفه وأطاع الشيطان وعصى ربه . وكان ابن زيد يقول : الفاسق في هذا الموضع : هو الكاذب . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ الكاذبين يحلفون على الكذب . وليس الذي قال ابن زيد من ذلك عندي بمدفوع ، إلا أن الله تعالى عم الخبر بأنه لا يهدي جميع الفساق ، ولم يخصص منهم بعضا دون بعض بخبر ولا عقل ، فذلك